الشيخ السبحاني
116
بحوث في الملل والنحل
ظُلْماً وَعُلُوًّا » « 1 » ، وقوله سبحانه : « فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ » « 2 » ، فأثبت لليهود المعرفة وفي الوقت نفسه الكفر . وهذا يعرب عن أنّ الاستيقان النفساني لا بدّ له من مظهر كالإقرار باللسان ، أو الكتابة ، أو الإشارة كما في الأخرس . ويمكن أن يقال : إنّه يكفي التّصديق القلبي ، ولكنّ الإنكار باللسان مانع ، فلو علم أنّه مذعن قلباً ، ولم ينكره لساناً ، لكفى في الحكم بالإيمان ، كما كفى في تحقّقه واقعاً . وأمّا عدم كفاية التصديق اللّساني فلقوله تعالى : « قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » « 3 » ، والأعراب صدّقوا بألسنتهم ، وأنكروه بقلوبهم أو شكّوا فيه . وهؤلاء جروا في توصيف أنفسهم بالإيمان على مقتضى اللّغة ، وادّعوا أنّهم مصدّقون قلباً وجناناً ، فردّ اللَّه عليهم بأنّهم مصدّقون لساناً ، لا جناناً ، وأسماهم مسلمين ، ونفى كونهم مؤمنين . وعلى ضوء هذه الآيات يتبيّن فساد القولين الأوّلين وتظهر قوّة القول الثالث وهو كون الإيمان لغة : هو التّصديق القلبي ، لكنّ الكتاب العزيز دلّ على عدم كفاية التصديق القلبي وأنّه يشترط أن يكون معه إقرار أو ما يقوم
--> ( 1 ) . النمل : 14 . ( 2 ) . البقرة : 89 . ( 3 ) . الحجرات : 14 .